صحيفة اسرائيلية تكشف أسرار "مستوطنة" السيسي الجديدة  

صحيفة اسرائيلية تكشف أسرار "مستوطنة" السيسي الجديدة  

ترجمة:  أبوبكر خلاف  

تقرير  مليء بالتفاصيل حول العاصمة الإدارية الجديدة نشرته صحيفة "كاليكست" العبرية اليوم الخميس، كتبه دورون بسكين وهو مدير شركة كونكورد بالشرق الاوسط، وهذه هي ترجمة التقرير كاملاً:

مدينة "ذكية" كبيرة، محاطة بأسوار عالية وأنظمة تأمين فائقة تسمح بإغلاق بواباتها بإحكام عند الشعور بالخطر، وبتكلفة مبدئية قدرت ب 58 مليار دولار، وهو مبلغ ليس بالقليل قياسا بالميزانية الاجمالية للدولة المصرية وهي  96 مليار دولار  لعام 2019 .

على قرابة 60 كيلومتراً شرق القاهرة، اقيمت العاصمة الجديدة "مستوطنة السيسي" في أعماق الصحراء، وبعيدًا عن احتجاجات ميدان التحرير، وثورة الشعب المحتملة ، ستكون هذه "المستوطمة" ملجأ "نخبة" السيسي الحاكمة.

  1. ميدان التحرير في القاهرة هو أكبر من رمز، إنه الساحة الحقيقية التي تحدث فيها الثورات السياسية بمصر. مرارًا وتكرارًا تجمع فيه مئات الآلاف من المصريين الذين ذهبوا للاحتجاج على السلطات، من الإستعمار البريطاني في احتجاجات 1919 ، مرورا  بثورة الضباط الأحرار ضد الملك فاروق في عام 1952 إلى ثورات الربيع العربي في العقد الماضي.

 كانت أحداث ثورة  2011 نقطة فاصلة، ظهر خلالها صعوبة السيطرة أو القمع  للاحتجاجات الشعبية في مدينة كثيفة السكان ومعقدة التفاصيل كالقاهرة،  كانت السيطرة على الأوضاع مستحيلة تقريبًا، هذا هو أحد أهم الأسباب الرئيسية ليكون القرار الأول للسيسي في 2014 ، هو تحييد هذه الساحة،  فمن العجائب إنشاء عاصمة جديدة كهذه، بعيدة كل البعد عن الجماهير  جغرافيا واقتصاديا وعقليا.

  1. عندما تم تعيين السيسي رئيسا ، كان ينظر إليه باعتباره حلقة عابرة، اعتقد الكثيرون أن وزير الدفاع السابق سيكون بمثابة دمية من أعلى المراتب في الجيش، وأنه يفتقر في شخصه إلى الصفات اللازمة لقيادة مصر، كانوا مخطئين، في السنوات الأخيرة، جعل السيسي من نفسه واحدا من أكثر الزعماء استقرارا في المنطقة، ونجح حتى في تعزيز قوة مصر في العالم العربي.
  2. لقد فعل ذلك من خلال القيام ببعض التحركات الجريئة، مثل إلغاء الدعم على السلع الأساسية ، وهي خطوة كانت تعتبر في مصر انتحارًا سياسيًا، وتثير الاحتجاجات الجماهيرية. ومع ذلك ، وعلى الأقل وفقًا لنتائج الاستطلاعات التي تنشرها الحكومة المصرية ، فإن الناس يدعمون "الفرعون الجديد"، ومؤخراً فقط ، جاء في الاستفتاء على التعديلات الدستورية أنه يستطيع البقاء في منصبه لمدة 15 عامًا أخرى.
  3. ومع كل ذلك ، فإن السيسي ليس ساذجا، بالنظر إلى التحديات الهائلة في البلاد ، فمن الواضح للجميع أن موجة الاحتجاجات الشعبية ضده ستزيد في السنوات المقبلة، القضية مسألة وقت. لذلك، ومن أجل حماية كرسيه، قرر نقل قصره والبرلمان والمكاتب الحكومية والسفارات إلى بيئة أكثر أمنا وأمانًا.
  4. التبرير الرسمي لهذه الخطوة هو الانفجار السكاني الذي عانت منه القاهرة، في الوقت الحالي ، يتركز حوالي نصف سكان البلاد البالغ عددهم 100 مليون نسمة في منطقة لا تزيد مساحتها عن 80 كيلومترًا مربعًا في محيط العاصمة ، بينما يظل وسط المدينة المكتظ بالسكان من السكان البالغين، بينما في الضواحي، والتي ينتج معظمها عن أحياء غير مخطط لها، مثل التعليم والصحة، واحد من بين كل خمسة من سكان الأحياء الصعبة هو طفل دون سن العاشرة ، لذا فهم "قنبلة موقوتة" للسلطات.

في رأي العديد من الخبراء ، كان من الأفضل استثمار ميزانية المشروع المجنون في عدد من المشاريع المنفصلة التي من شأنها تسهيل مشاكل القاهرة بطريقة أكثر كفاءة وتنوعًا. إن الأهمية التي يوليها الرئيس للمشروع ، والتي تنعكس، في جملة أمور ، في زياراته المتكررة لموقع البناء، وتعزيز فرضية أن الاهتمام بالرفاهية الاقتصادية والبيئية لسكان القاهرة لا يمثل بالضرورة شاغله الأساسي.

  1. وفقًا للخطط، فإن العاصمة الجديدة لن توفر فقط بيئة عمل محصنة لمؤسسات الدولة، بل سوف يسكنها عدد من المواطنين الودودين للحكومة الحالية ، ممن لا يخرجون إلى الشوارع أو يقتحمون القصر الرئاسي.

من المتوقع أن ينتقل 50 ألف من كبار الموظفين في القطاع العام إلى المدينة الإدارية الجديدة في الصيف المقبل. هذا هو جوهر الدعم لحكم الرئيس المصري اليوم. وهم المسؤولون من الرتب العليا، والأعلى أجرا، ومصلحتهم الحفاظ على الوضع القائم .

 أسعار الشقق المعروضة في المدينة الجديدة تعد أيضًا بالإبقاء على محدودي الدخل خارج العاصمة الجديدة وهو ما يظهر في تصريحات القائمين على المشروع  حتى الآن ، تم بالفعل الانتهاء من بناء حي سكني واحد على مساحة 4000 دونم، مع 25 ألف وحدة سكنية. مساحات الشقق تتراوح ما بين 100 - 185 متر مربع ، ويتراوح سعرها بين 200 دولار و 300 دولار ، ومن المتوقع في بعض المشاريع أن ترتفع إلى 1000 دولار للمتر السكني.

بالنسبة للإسرائيليين ، فإن الشقة التي تتراوح قيمتها ما بين 20 إلى 55  ألف دولار ليست صعبة، لكن قياسا الى متوسط دخل الأسرة في مصر  والبالغ 200 دولار شهريًا فإن هذه الأسعار بعيدة كل البعد عن الاستطاعة .

 وفقًا للدكتور سامح العلايلي ، المدير السابق لكلية تخطيط البناء في جامعة القاهرة ،فإن مستوى الأسعار في المشروعات يشير إلى أنها "للأغنياء فقط" ، وهذا هو السبب في أن الحكومة المصرية تمارس ضغوطًا شديدة على البنوك لتزويد الطبقات الغنية بشروط ميسرة لشراء الشقق.

  1.  بيئة محايدة وسكن مريح لايضمنان السيطرة على السلطة. مطلوب أيضا الإشراف الشامل، لذلك ، ستكون المدينة الجديدة "مدينة ذكية" وستدمج أحدث التقنيات لمراقبة الحياة الحضرية والحفاظ على النظام الجيد.

سيكون أبرزها 6000 كاميرا سيتم نشرها في كل زاوية. تعمل على مدار الساعة لحظة بلحظة لتنقل إلى مركز القيادة الرئيسي ما يجعله مستعدا لمواجهة أي أمر طارىء، مع تحليل الفيديو، ومراقبة المشتبه بهم ونظام الاستجابة لحالات الطوارئ التلقائي.

 دوائر المعارضة في مصر تطلق بالفعل على المدينة الجديدة كلمة "مستوطنة". تم إرفاق هذا اللقب بالمشروع بعد عاصفة على وسائل التواصل الاجتماعي ، حيث قام المدونون بتوزيع صور من موقع البناء تُظهر بناء جدار حول المدينة، على غرار الجدار الفاصل الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية.

من جانبه ينفي نظام السيسي كافة التقارير المتعلقة بالجدران،  ويزعم إنه سيكون فقط حول المواقع الحيوية مثل محطات توليد الكهرباء. لكن أحد مراسلي الصحف المحلية الذين قاموا بجولة في المشروع أكد أن هناك جدارًا طوله حوالي 80 كيلومتراً يتم بناؤه حول المدينة وعلى ارتفاع سبعة أمتار.

 وفقًا لبعض المدونين المصريين، تم تخطيط 15 بوابة في الجدار للسماح بالوصول إلى المدينة ، لكن إذا لزم الأمر ، سيتم إغلاقها وستكون مدينة ثيتام معزولة. لا أحد يخرج أو يأتي.

  1. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقف السيسي وهو في طريقه إلى هدفه هو صعوبة الحصول على التمويل. كانت خطته الأصلية أن تكون مبنية على مستثمر استراتيجي ، وكانت هناك محاولة للحصول على مثل هذا المستثمر من الإمارات ، والذي توقف عن العمل بعد نزاع بين الطرفين. لا يمكن لمصر وحدها أن تدفع مثل هذا المبلغ، ودينها الخارجي المتزايد يمثل حجر عثرة أمام رفع المبالغ الضخمة، رسميا، تدعي الحكومة أنه لن يكون هناك تمويل للمشروع مباشرة من ميزانية الدولة، ومساهمتها الوحيدة ستكون بيع الأراضي للمستثمرين ورجال الأعمال. لكن حتى الآن وضعت الشركة التي تدير المشروع أكثر بقليل من مليار دولار من عائد بيع الأرض - وهو مبلغ ضئيل مقارنة بتكلفة المشروع. تقارير وسائل الإعلام أن الصينيين قد ضخوا ما لا يقل عن 3 مليارات دولار في المشروع لكن هذا أيضا لن يغطي فجوة الاحتياجات .
  2. إذن كيف يتم تمويلها؟ تقوم الحكومة بضخ المليارات، ولكن بشكل غير مباشر. على سبيل المثال ، فإن الجيش المصري ، الذي يعد قوة اقتصادية كبيرة ، يشارك حتى النهاية في المشروع ويقوم بصرف الأموال من ميزانيته غير الشفافة وغير المنظمة. هناك طريقة أخرى لضخ الأموال الحكومية بشكل غير مباشر وهي من ميزانية هيئة المدن الجديدة ، المسؤولة ، في جملة أمور ، عن تمويل مشاريع المياه والصرف الصحي في المدينة الإدارية الجديدة.

 كل هذا لا يكفي. في الأشهر الأخيرة ، كان هناك عدد متزايد من التقارير عن توقف أو تباطؤ أعمال البناء في المدينة الجديدة بسبب نقص التمويل والقوى العاملة بها، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى التفكير في خطوات "غير مسبوقة " لتدبير النفقات للمشروع، بما في ذلك اقتراح خصخصة قناة السويس، لكن الشائعات حاصرت الفكرة من أن النظام يريد أن يفرط في أحد رموز  السيادة المصرية وينقلها لأيدي القطاع الخاص، وهو ما كان كافيا لعاصفة غضب كبير ، فكان تأجيل الفكرة ، ومع ذلك، فإن آخر شيء يريده السيسي الآن هو  ثورة الغضب.